الشيخ محمد رشيد رضا

400

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الإذعان ، والاذعان يستلزم العمل ، وينافي الاستقباح والترك . وهذه الجملة مقررة لما قبلها ، ومؤيدة لقوله تعالى في هذا السياق ( وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ) ثم جاء بمثال امن هذه الأحكام فقال : * * * وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ أي وفرضنا على بني إسرائيل من العقوبات في التوراة ان النفس تؤخذ أو تقتل بالنفس إذا قتلت عمدا بغير حق ، وقدر الجمهور مقتولة أو مقتصة بها ، والعين تفقأ بالعين ، والانف يجدع بالأنف ، والاذن تصلم بالاذن ، والسن تقلع بالسن . أي ان هذه الأعضاء والجوارح المتماثلة هي كالنفس في كون جزاء المتعدي على شيء منها مثل ما فعل ، لأنه هو العدل . وقد قرأ الكسائي العين والانف والاذن والسن بالرفع . أي وكذلك العين بالعين . الخ - ولهم في اعرابها عدة وجوه وقرأها الجمهور بالنصب ، عطفا على النفس . وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ قرأ الكسائي الجروح بالرفع أيضا ، والجمهور بالنصب ، أي ذوات قصاص ، تعتبر في جزائها المساواة بقدر الاستطاعة فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ أي فمن تصدق بما ثبت له من حق القصاص بأن عفا عن الجاني فهذا التصدق كفارة له يكفر اللّه بها ذنوبه ويعفو عنه كما عفا عن أخيه . وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وكل من كان بصدد الحكم في شيء من هذه الجنايات فأعرض عما أنزل اللّه من القصاص المبني على قاعدة العدل والمساواة بين الناس ، وحكم بهواه أو يحكم غير حكم اللّه فضله عليه ، فهو من الظالمين حتما . إذ الخروج عن القصاص لا يكون الا بتفضيل أحد الخصمين على الآخر ، وهضم حق المفضل عليه وظلمه . أما مصداق هذا القصاص من التوراة التي في الأيدي فهو في الفصل الحادي والعشرين من سفر الخروج ، ففيه بعد عدة ذنوب توجب القتل ما نصه : ( 23 وان حصلت أذية تعطي نفسا بنفس 24 وعينا بعين وسنا بسن ويدا بيد ورجلا برجل 25 وكيا بكي وجرحا بجرح ورضا برضّ ) يوضحه قوله في الفصل ( 24 من سفر اللاويين ( 17 وإذا أمات أحد انسانا فإنه يقتل 18 ومن أمات بهيمة يعوض عنها نفسا بنفس 19 وإذا أحدث انسان في قريبه عيبا فكما فعل كذلك يفعل به